نماذج من النقد في عصر بني أمية
ازدهر الشعر في عصر بني أمية لتشجيع الخلفاء وعنايتهم باللغة والأدب ولا غرابة في ذلك فقد كان الخلفاء أنفسهم أدباء ونقاداً وكان لظهور الأحزاب السياسية واستيقاظ العصبية القبلية أثر كبير في إذكاء السباق والتنافس بين الشعراء وبين القبائل فظهر الشعر السياسي وشعر النقائض وشعر الشعوبية.
ولقد استدعى هذا التنافس أن يتجه الشاعر إلى تجويد شعره وتحرى مواطن الزلل عند خصومه وتتبع سقطاتهم ، فنشطت حركة النقد الذي اتجه في هذا العصر إلى الدقة والتحليل والاستقصاء ، فشمل الفاظ الشعر ومعانية وأوزانه ، وإليك نماذج منه : امتدح ذو الرمة قصيدة الكميت بأنه أحسن في ترقيص قوافيها.
انتقد عبد الملك عبد الله بن قيس الرقيات الضعف قافيته حين أنشده :
• إن الحوادث بالمدينة قد * اوجعتني وقرعن مروتية.
• وجببنني جب السنام ولم * يتركن ريشا في مناكبية.
فقال له : احسنت لولا انك خنت في قافيتك.
قدمت ليلي الأخيلية على الحجاج فأنشدته:
• إذا ورد الحجاج ارضاء مريضة * تتبع اقصى دائها فشفاها.
• شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناه سقاها.
فقال لها : لا تقولي : غلام ولكن قولي : همام.
أنشد عبد الملك بن مروان قول نصيب :
• اهيم بدعا ما حييت فإن أمت * فواحزنا من ذا يهيم بها بعدي.
فقال بعض الحاضرين : أساء القول؛ أيحزن لمن يهيم بها بعده؟
قال عبد الملك : لو كنت قائلا فماذا تقول؟ قال :
• أهيم بدعد ما حييت فإن أمت * أوكل بدعد من يهيم بها بعدي.
قال عبد الملك : أنت أسوأ قولا، ثم قال : الوجه أن يقال :
•أهيم بدعد ما حييت فإن أمت * فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي.
قال عمر بن ابي ربيعة :
• قالت تصدي له ليعرفنا * ثم اغمرية يا اخت في خفر.
• قالت لها غمرته فأبى * ثم اسيطرت تنشد في اثري.
فانتقده كثير عزه بقوله : لقد أسأت وقلت الهجر إنما توصف الحرة بالحياء والامتناع وأنها مطلوبة لا طالبة.
عاب النقاد على ذي الرمة قوله :
• اذا ابن أبي موسى بلالا بلغته * وقام بفأس بين عينيك جازر.
وفضلوا عليه قول عبدالله بن أبي رواحة :
• إذا بلغتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء
• فشأنك فانعمي وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهلي ورائي.
وقال الفرزدق في هذا المعنى :
• علام تلفين وأنت تحتي * وخير الناس كلهم أمامي.
• متى تردي الرصافة تستريحي * من الأنساع والدبر الدوامي.