القصيدة الشعرية بين القديم والحديث
لابد لنا عند الحديث عن القصيدة العربية بين القديم من عهودها والجديد من أن نشير إلى بعض الحقائق الأدبية ، وأولها أن أدبنا العربي قد عرف صلة لا تنقطع منذ العصر الجا ر الجاهلي وحتى العصر الحديث بفضل اللغة الفصحى من جهة ومن جهة أخرى للحرص على مكونات أسلوبية أساسية ، فالقارىء العربي يمكنه الاطلاع بيسر وسهولة على نتاج الأدباء من أي نصر من الأدب - ونلاحظ قيماً أدبية مشتركة وأخرى تتميز بها كل مجموعة من الشعراء.
ومن الأمور المألوفة أن يختلف ذلك الثراث الكبير والمتعدد إذا ما حللناه في مستواه الفني، فهو يضم كثيراً من الأعمال الممتازة والعالية في خصائصها ، وكذلك يعرف أعمالاً عادية أو دون ذلك ، وعندما نحاول نقد النتاج الشعرية يجب أن نحرص على الدقة في الآراء وعدم تعميمها ، بل تُفضّل وتتنوع بحسب الشعراء أو الشاعر الواحد.
و يعد النقد الأدبي أداة - تحتاج إلى الثقافة عميقة ومتعددة الألوان في الشعر والنثر ووجوه المعرفة - توصلنا إلى معرفة ميزات النصوص وأصحابها والاقتراب من التجارب ومعايشتها ، أي تذوقها.
و يتطلب عنوان (القصيدة) تحديداً لأنه مستخدم في إطار الأدب القديم والأدب الحديث ، ولقد عرف الأدب العربي أنماطاً ثلاثة تمثل نظام القصيدة فهي إما :
1- قصيدة مطولة تبلغ أحياناً مئة بيت فما فوق وتتضمن في كثير من المرات أعراضاً عدة (الغزل ، الوقوف على الأطلال ، الرحلة ووصف الناقة أو الفرس ، أو الحيوان عامة ، ثم المديح ، أو الفخر....).
2- قصيدة مطولة أو متوسطة تنصرف إلى غرض بعينه تبتدىء به وتستمر به إلى نهايتها وهي تستكمل جوانبه).
3- المقطوعة الشعرية وهي قصيدة قصيرة تتناول لمحة أو زاوية من الحياة أو التجارب الشعورية. وهذه الأغاط تتخذ لها الإيقاع الموسيقي الذي نعرفه في بحور العروض العربي وقوافيه وتستعين بأساليب التصوير الفني وقدرات اللغة التعبيرية. وكانت الأشعار تسلك مسلك الشعر الغنائي الذي ينطلق من خلال ذات الشاعر ونظرته التي تجول بين النفس والمجتمع والطبيعة والحياة وهي تتناول الانفعالات والأحساس متضمنة رؤية وفكراً.
واستمر شعراء العربية يتمثلون هذه الأنماط في مختلف عصورهم الأدبية ، رغم التفاوت هم في الإجادة والابتكار، وعندما أطلت النهضة العربية الحديثة سعى روادها لتكون قصائدهم ومقطوعاتهم في أفق النتاج المزدهر للعصر العباسي وما قبله ، وتجاوزوا ما عرف من ضعف الأدب في عصر الدول والإمارات ، وأطلق النقاد و مؤرخو الأدب مصطلح (الشعر الإحيائي) أي الذي يعود إلى الخصائص الأصلية (من هؤلاء الشعراء محمود سامي البارودي ، احمد شوقي ، وحافظ ابراهيم ، ومعروف الرصافي ، وجميل صدقي الزهاوي ، و بدوي الجبل ، ومحمد مهدي الجواهري.